الرئيسية | المقالات | مسيرة حافلة بالجهاد والعطاء .. حتى الشهادة

مسيرة حافلة بالجهاد والعطاء .. حتى الشهادة

image

الذكرى السنوية للشهداء القادة

ربّما شاء القدر أو بالأحرى نهج المقاومة والجهاد أن تجتمع ذكرى استشهاد شيخ شهداء المقاومة الاسلامية الشيخ راغب حرب وسيد شهدائها الامين العام السابق لحزب الله الشهيد السيد عباس الموسوي وقائد الانتصارين الشهيد الحاج عماد مغنية في السادس عشر من شهر شباط ، ليخطّوا بدمائهم الطاهرة مسيرة عزّ وكرامة وانتفاضة ورفض للخضوع والاستسلام ومواجهة العدو الصهيوني، فغدا أسبوع المقاومة الاسلامية من كلّ عام موعدا سنويا لتجديد العهد بالاصرار على خيار المقاومة ، والتأكيد أن استهداف رموز ذاك النهج لن يزيد إلا من عزيمة التحدي والصمود على درب الحق لاسقاط كلّ المؤامرات الاسرائيلية والامريكية وعملائهم التي تسعى الى النيل من إرادة المقاومة وقادتها وشعبيتها المتعاظمة يوما بعد يوم، وزرع الفتن المكشوفة على مرّ ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن .
بعد الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 ، كان لا بدّ من ظهور حركة مقاومة شعبية تواجه إعتداءات وعدوانية كيان غاصب أراد محو ثقافة التصدّي والحرية والاباء والعنفوان .

الشيخ راغب حرب : صفحة عزّ في تاريخ مواجهة العدو

هذه الثقافة سطّر جزءا منها شيخ شهداء المقاومة الاسلامية راغب حرب منذ أن كان ملجأ المؤمنين وحضن المقاومين، لتتشابه حياته بشهادته، صاخبة هادرة تملأ أسماع الزمان والمكان، وتختصر حياة الإنسان المتمرد، الطامح دوماً نحو الحرية والعدالة والكرامة.

ولد الشيخ حرب، عام 1952 في بلدة جبشيت الجنوبية من أبوين كادحين، غادرها في أوائل العام 1969 إلى بيروت، مستوطناً فيها لطلب العلم، سافر بعدها الى النجف الاشرف في العراق ليتلقى علومه الدينية في مدارسها ويتتلمذ على أيدي أساتذتها الكبار، مهيئاً نفسه للعمل في خدمة الرسالة، مبلّغاً أحكامها، ناشراً تعاليمها.

ورغم إقباله الكبير لتلقي العلوم الدينية وميله نحوها، إلاّ أن عينيه كانتا ترمقان من بعيد الساحة اللبنانية، فعاد إلى لبنان وأهله وأصحابه عام 1974 بعد أن أسفر النظام في العراق عن حقد دفين على المؤمنين والعلماء فطاردهم وشرّدهم وزج عدداً كبيراً منهم في السجون.

عاد إلى مسقط رأسه في جبشيت، في وقت كانت فيه طروحات اليسار، وشعاراته ومفاهيمه تغزو المنطقة بأسرها،عاد الشيخ وهو يدرك أن طريقه ليس مفروشاً بالزهور، كان يعلم أن طريقه صعب وطويل، محفوف بالمكاره، مزروع بالأشواك، يتطلب جهداً كبيراً، وآلاماً كثيرة، فتوجه في بداية عمله لاصلاح ما أفسدته الأوضاع السائدة آنذاك، وعمل على إظهار الإسلام بصورته النقية الناصعة، بعد أن طمرت معالمه الأفكار الدخيلة، ثم ساهم في تنمية الحس الإسلامي وتطويره من خلال المواعظ التي كان يلقيها، والدروس التي يقدمها، والسهرات التي يحييها، فاستطاع بأسلوبه الجذاب، وطلاوة حديثه، أن يشدّ الناس إليه ويحببهم فيه.

وبعد أن اطمأنّ إلى الصحوة التي أنشأها في بلدته، أراد أن يتجاوز بعمله حدود قريته الصغيرة، ليشمل ما جاورها من قرى المنطقة،ولينشئ بالتعاون معها وجوداً إسلامياً.

كان أشد ما يؤلمه مشهد الفقراء البائسين، الذين لا يجدون قوت يومهم، فراح يزورهم بنفسه، ليستكشف أحوالهم، يتفقد أمورهم، يمدّ لهم يد المساعدة، علّه يخفف عنهم مرارة البؤس ولوعة الحرمان، ولعل أكثر ما كان يثير الأسى في نفسه، هي تلك الصور الدامية للأطفال اليتامى، فعمل جاهداً على إيوائهم، واستنقاذهم من براثن الجهل والفقر، وقد وفق بعد جهود مضنية، وبالتعاون مع "الجمعية الخيرية الثقافية" إلى بناء مبرّة "السيدة زينب I" لتكون وسيلة لهذا الهدف السامي والنبيل ، وسعى الشيخ الشهيد إلى تأسيس "بيت مال المسلمين" بما كان يتوفر من إمكانات متواضعة ليقدم القروض البسيطة إلى المؤمنين ، كما عمل على بناء مدارس في بعض القرى الجنوبية ، وساهم في اطلاق وتأسيس مؤسسة الشهيد في لبنان .

مع حلول عام 1978، كانت رياح الثورة الإسلامية في ايران تتخطى كل الحدود، فهبّ الشيخ راغب، ليكون أول المستجيبين لندائها والمسارعين إليها، فراح يحث الناس على المبايعة، عرف عنه عشقه الكبير والمتميز للإمام الخميني (قده)، وانبهاره بشخصيته الفذّة.

اجتاحت "اسرائيل" لبنان ، فرأى الشيخ بأمّ عينه، واقع الاحتلال الأليم، يجثم بكابوسه الرهيب على صدور الناس ، وأدرك أن لحظات حاسمة من تاريخه قد بدأت، وأن على عاتقه يقع دور هام وكبير .بدأ بدعوة الناس الى المشاركة في صلاة الجمعة رغم الاحتلال وممارساته القمعية وتضييقه على المواطنين .
واجه أكثر من مرة العدو ، فوقف الشيخ أمام جموع المواطنين معلناً رفض التعامل، وحرمة التعاون بأي شكل من الأشكال مع الإسرائيليين. واصل الشيخ جهاده، متجولاً في قرى الجنوب ، مندداً بالاحتلال الغاشم، ومحطماً سياسة التطبيع والتهويد.

الموقف سلاح .. المصافحة اعتراف، هي المقولة الشهيرة للشيخ الشهيد ، لم تصدر على لسانه جزافا ، أطلقها عندما مدّ أحد ضباط الاحتلال يده لمصافحته، فأبى ورفض، فقال له: "وهل أيدينا نجسة"، فأجابه الشيخ: "أنتم محتلون، ولا أريد مصافحتكم، أخرجوا من هنا، لا أصافحكم ولا أجالسكم".
داهم الجنود الصهاينة المدججون بالسلاح منزله مرات عديدة ومتتالية، كان أبرزها في كانون أوّل عام 1982م، احتدم الصراع مع العدو، اشتدّت العمليات الجهادية للمقاومين وتصاعدت، وفي السادس عشر من شهر شباط، وفي ليلة الجمعة من عام 1984، وبعد أن أنهى الشيخ قراءة دعاء كميل، توجه للسهر مع بعض إخوانه في بيت بجوار منزله، وأثناء خروجه، صوّب العملاء المرتزقة، رصاص حقدهم الغادر، وهوى الفارس عن صهوة جواده، ليروي بدمه الطاهر عطش الأرض، مردّداً كلماته الأخيرة: "الله أكبر، الله أكبر".

وللامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله كلمة عن شيخ المقاومين، فهو قال في إحدى خطاباته إن " استشهاد الشيخ راغب ودمه جاء ليعطي المقاومة المسلحة والشعبية دفعا قويا سريعا لتنجز المقاومة انتصارها الكبير عام 1985 بطرد الصهاينة من الجبل وبيروت والضواحي وصيدا وصور والنبطية ليختبئوا خلف التلال والجبال في الشريط الحدودي المحتل، كانت شهادة الشيخ راغب دافعا قويا للإنتصار".

سيد شهداء المقاومة الاسلامية في سطور

على الخطّ نفسه ، خرج الامين العام السابق لحزب الله السيد عبّاس الموسوي، سليل الشجرة الهاشمية المباركة، الى الحياة عام 1952 في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت ، وهو من بلدة النبي شيت البقاعية، عاش طفولته في عائلة محافظة، وشب على معاينة مأساة الشعب الفلسطيني. فالتحق بمقاتلي ثورته وهو لمّا يزل في العاشرة من عمره، وخضع لعدّة دورات تدريب عسكرية. ثم التحق بحوزة إمام المقاومة السيد موسى الصدر في صور، وتعمّم في السادسة عشرة من عمره، بعد ذلك غادر الى العراق ليتابع دراسته في كنف الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر.

وعى السيد عباس آلام أمّته وهمومها منذ حداثته، وأدرك بوعي الملتزم بمسؤوليته تجاه دينه.. تجاه أمّته: أنّ أهمّ أسباب هذه الآلام، وأكبر هذه المشاكل هو ذلك الكيان الغاصب الذي زرعه الاستكبار في رئة أرضنا.

تأثّر سيد شهداء المقاومة بالامام الصدر الذي لمس فيه أنه أمام شخصية مميزة، ورجل لن يكون عادياً في مسيرة شعبه وحياة أمته، فرغب إليه بالالتحاق بالحوزة العلمية التي كان أنشأها في مدينة صور، والتي كانت مسمّاة آنذاك بـ"معهد الدراسات الإسلامية"، فاستجاب السيد عباس لطلب السيد الصدر، ثم تابع دراسته فيها الى ما بعد انتقالها الى المؤسسة في البرج الشمالي، فكان بذلك من الطلبة الذين دشّنوا بناء المؤسسة وكانو باكورة عطائها.‏‏

تعمّم السيد في السادسة عشرة من عمره، وازداد تعلقاً بحبّ السيد الصدر الذي بادله الحب والتقدير واجداً فيه الشاب الإنسان الواعي الظامئ والمتعطش (الى حد النهم) الى معرفة الدين وأحكامه، وكما في اللقاء، وكما رغب السيد الصدر إليه أن يلتحق بالحوزة في صور، فقد أشار عليه بعد تخرجه من المؤسسة أن يرتحل الى العراق ليتابع دراسته في كنف الشهيد السيد آية الله العظمى محمد باقر الصدر.. وهكذا كان..‏‏

عاد أول مرة الى لبنان عام 1973 بعد غياب دام أربع سنوات في رحاب النجف الأشرف ، ثمّ عاود السفر اليه لكن ليس وحيداً هذه المرة، بل رافقته توأم شهادته، إبنة عمه "سهام الموسوي" التي أصبحت السيدة "أم ياسر" بعد زواجهما، وعمر السيد واحد وعشرون عاماً، ولها أربعة عشر ربيعاً من العمر..‏‏

بعد تسع سنوات قضاها هناك، وكان أول عمل قام به جمع طلاب العلوم الدينية الذين أُبعدوا من النجف في حوزة متواضعة، هي حوزة الإمام المنتظر (عج)، في مدينة بعلبك. وانطلاقاً من إيمانه بأنّ الوحدة الإسلامية تبدأ بوحدة علماء الأمة، فقد سعى الى تأسيس تجمع العلماء المسلمين في العام 1979، ليكون أول تجمع علمائي في لبنان ويتسع لاحقاً ليضم رجال دين سنة وشيعة.‏‏

وفي نيسان من العام 1980، جاءت جريمة اغتيال السيد محمد باقر الصدر، وهو ما قوّى عزيمة السيد عباس، فلعب دوراً هاماً في استنهاض همم الخائفين، وكان يشجعهم ويوصيهم بطرح حالة الخوف مردداً أمامهم كلمات السيد الشهيد الصدر .

تحقق حلم السيد في قيام دولة الإسلام في ايران بعد انتصار الثورة، وعاش أمنية عمره تتجسد واقعاً، ليتشرف لاحقاً هو واخوته بلقاء الإمام الخميني (قده) حيث تزودوا بتوجيهاته المباركة، واستلهموا منه كيفية التعاطي مع مستقبل وأساليب العمل الجهادي في هذا الوطن النازف، وتلقوا منه تكليفهم الشرعي.

للجنوب حكاية مميزة مع السيد الشهيد، حكاية خطّها قلم الجهاد، بحبر من عرقٍ ودم، كانت معاناة الجنوب جرحاً في قلب السيد، وكان لأرض أبي ذر الغفّاري مكانة مميزة في نفس الموسوي، لذا توجّه اليه قبيل الاجتياح الصهيوني، وتنقّل بين قراه الوادعة، للتبشير بولاية الفقيه.. ولاية الإمام الخميني، والدعوة الى إزالة الغدة السرطانية إسرائيل من خاصرة الوطن الكبير..‏‏

وعندما بدأ الاجتياح الغاشم، غادر منزله في بعلبك متوجهاً نحو بيروت ومنها الى الجنوب عام 1985، حيث استقر في مدينة صور، وكان يقضي وقته مع المجاهدين ويتابع بشكل مباشر وميداني عمليات المقاومة ضد الاحتلال.
استشهاد الشيخ راغب حرب في سنة 1984 شكّل دمعةً في قلب السيد، لكنه كان يؤمن بحزم بأنه في قافلة الشهادة ذاتها (وإن تأخر الرحيل)، وكان متيقناً بأنّ دماء المجاهدين ستتحول عواصفاً صاعقة على العدو..‏‏

اذا ، توجّه السيد الشهيد الى الجنوب عام 1985 بعد تسلمه مسؤولية شورى الجنوب في حزب الله، وسكن في مدينة صور.
ويوم دعا الإمام الخميني (قده) الى إحياء يوم القدس العالمي، كان السيد عباس في طليعة المسيرة بلباسه العسكري، وقد شدّ جبينه الطاهر بعصبة الجهاد، وكُتب عليها: أدركنا يا مهدي..‏‏

تتويجاً لمسيرته.. انتُخب السيد الشهيد في أيار 1991 أميناً عاماً لحزب الله، وقد اعتبر سماحته هذا الاختيار تكليفاً وليس تشريفاً، وتخوّف (قده) أن يشغله ذلك عن معايشة هموم المقاومين، وعندما كانت الجموع تزحف للتهنئة، كان يقول لهم: "عزّوني ولا تهنّئوني، فأنا أطمح لأن أكون دائماً بين المقاومين ومع المجاهدين"..‏‏

وخلال قيامه بمهمة الأمين العام، شارك السيد بمؤتمرات ومهرجانات ولقاءات سياسية واجتماعية وثقافية عدة، وكان يعتبر أنّ المقاومة حركة جهادية إيمانية، وأنّ التخلي عنها هو من التخلي عن إيماننا، وكان عندما يجالس شباب المقاومة الإسلامية يكبر فيهم اندفاعهم نحو التكليف الشرعي وتحملهم المسوؤلية بكل جرأة بين يدي الله .

وفي السادس عشر من شباط 1992، ومن جبشيت بلدة رفيق دربه الشيخ راغب حرب وبعد كلمة ألقاها في إحياء الذكرى الثامنة لاستشهاد الشيخ راغب، غادر السيد باتجاه بيروت، لكن طائرات مروحية صهيونية تربصت لموكبه على طريق بلدة تفاحتا وأطلقت صواريخ حرارية حارقة على سيارة السيد، فاستشهد مع زوجته ام ياسر وولدهما الصغير حسين.

ومن جبشيت الى بيروت الى النبي شيت طاف موكب السيد الشهيد، وتحوّل مرقده مزاراً وكنيته سيد شهداء المقاومة.

ويؤكد سماحة السيد نصر الله أن "دم السيد عباس أدخل المقاومة إلى كل بيت وإلى كل قلب وإلى كل وجدان في لبنان وعلى امتداد العالمين العربي والإسلامي، هذا الدخول إلى كل قلب وإلى كل بيت مكّن المقاومة من أن تتطوّر كيفاً وكماً ونوعاً، وهيّأ للمقاومة أوسع حاضنة شعبية لم تكن تحظى بها من قبل، فكان دمه المؤسس للمرحلة الثالثة".

الحاج عماد .. قائد الانتصارين الخفيّ

من المدرسة ذاتها ، ولد قائد الانتصارين الشهيد الحاج عماد فايز مغنية (الحاج رضوان) في عام 1962 في بلدة طيردبا الجنوبية ، وعماد هو الطفل الذي كَبُر سريعاً، ولم يسمح للشيخوخة بأن تصيبه، فقضى شهيداً مغدوراً عن عُمر يُناهِز الـ45 عاماً، على أيدي الاسرائليين، في مدينة دمشق، بتاريخ 12/02/2008، فكانت شهادته منارةً للمجاهدين، كما كانت حياته وسيرته وأعماله.

عرف عن الحاج عماد تديُّنه وورعُه وكثرة مزاحه، ومحبّة الآخرين، وتسامح وتواضع كبيرين. لضيق العيش، انتقلت عائلة فايز مغنية بصحبة الحاج عماد وإخوته إلى ضاحية بيروت الجنوبية، واستقرَّت في بلدة الشيّاح، إحدى بلدات الضاحية التي خَرَّجَت الكثير من شهداء وكوادر المقاومة.

التحق الحاج عماد بمدارس الشياح، حتى بداية الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، فسارع إلى الالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية وطَلَبَاً لحماية أهله وناسه في أعقاب الهجمات وعمليَّات القتل للقوى الموالية لإسرائيل في تلك الفترة.

تلقى الكثير من التدريبات والمهارات القتالية في صفوف المقاومة الفلسطينية ، إلى أن أصبح مسؤولاً عن أحد مراكزها، فاستقطب عدداً كبيراً من الشُبَّان، الذين تحلَّقوا حوله، وأتمروا بإمرته، رغم أنه كان أصغرهم سِناً.

تَشَبَّث القائد الشهيد بالتزامه الديني، فكان من رُوَّاد مسجد الشَيَّاح والمستمعين إلى مواعظ خطبائه ومدرسي الحلقات التي كانت تُعقد فيه، إلى حين اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، حيث كان من أوائل المجاهدين الذين عملوا على التصدي للجيش الصهيوني في منطقة خلدة، إضافةً إلى عددٍ من إخوانه، وبقي في بيروت خلال حصارها، وبعد دخول جيش العدو إلى عددٍ من أحيائها، وفي تلك الفترة كان من المجاهدين الذين عملوا بِصَمتٍ ضِدَّ الإسرائيليين، وكبَّدهم خسائر حملوها معهم بعد تقهقرهم عن بيروت.

لم يَكتَفِ الحاج عماد بخروج الإسرائيليين من بيروت، فلاحقهم جنوباً، وكان من أوَّل المؤسِّسين للعمل المقاوم ضد "إسرائيل"، إذ انتقل ورفاقه للانخراط في صفوف المقاومة الاسلامية منذ بدايات تأسيسها عام 1982، فكان الحاج رضوان الذي عُرِفَ عنه قائداً ومخططاً ومهندساً عسكرياً وأمنياً، وَقَفَ وراء العديد من العمليات الجهادية ضِدَّ الإسرائيليين، تخطيطاً وتنفيذاً.

كان الشهيد الحاج رضوان في مقدمة الإخوة والشهداء الذين حققوا انتصارات المقاومة في جنوب لبنان، طِوال سنوات الاحتلال، وكانت بينه وبين الإسرائيلي جولات وجولات، خرج فيها منتصراً، وخرج الإسرائيلي مهزوماً، لقد أسَّس للمقاومين مدرسةً قتاليةً خاصةً يُحتذى بها، إن لجهة التخطيط أو التنفيذ أو تأمين الإمكانات، أو معرفة العدو وحدود قدراته وثغراته والعمل عليها، فكان بناء القوة مُؤاتياً لهدف الانتصار، الأمر الذي قاده في نهاية المطاف إلى الانتصار عام 2000، فكان القائد الميداني لتقهقر الجيش الصهيوني عن لبنان، وهو أوَّل تقهقرٍ إسرائيليٍ عن أرضٍ عربيةٍ مُنذ قيام "إسرائيل" دون قيد أو شرط.

وأيضاً كان قائداً للانتصار في عدوان تموز 2006، في مَلحَمَةٍ بطوليةٍ قَلَبَت مذهب الحروب الحديثة، وما زال العدو والصديق يعكف على فهمها وتحديد معالمها، إن لجهة الاقتداء بها، أو لجهة محاولة مواجهتها.

استحق الحاج رضوان لقباً استثنائياً بعد استشهاده، إذ لقَّبَه سماحة السيِّد نصر الله بقائد الانتصارين، انتصار أيار عام 2000، وانتصار تموز عام 2006.

ويوضح الامين العام لحزب الله في إحدى خطاباته أن "الحاج عماد كان القائد لعملية الأسر الأولى بعد التحرير وللعملية المعقدة في أسر العقيد (ألحنان) تتنباوم والتي أدّت في نهاية المطاف إلى تحرير عدد كبير من أحبائنا وأعزائنا الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم"، ويشير سماحته الى أن "الاسرائيليين يعتبرون أنّ إنجازهم أنهم قتلوا الحاج عماد ونحن نعتبر أنّ إنجاز الحاج عماد أنّه بقي 25 سنة يقاتلهم، لم يختبئ في كهف وكان دائم الحضور وخصوصا في السنوات العشر الأخيرة، دائم الحضور في كل الساحات، يعمل في الليل والنهار، حركة اتصالات واسعة كان يقتضيها ويفرضها الموقع الجهادي، حضور في الجبهة وفي الخطوط الأمامية، لم يكن يظن الجنود الصهاينة قبل التحرير في العام 2000 وبعد التحرير أنّ مجموعة الشباب التي تقف على هذه التلة أو تلك التلة وتخطط لعملية ما، أنّ واحدا من هؤلاء الشباب هو عماد مغنية، فالحاج عماد لم يكن مختبئا حتى نقول كيف نالوا منه، كان حاضرا متحركا نشيطا، أن يصمد ويبقى حيّا 25 عاما هو الإنجاز الكبير لمدرسة حزب الله الأمنية إن صح التعبير".

وانطلاقا من تلك المحطات المضيئة في سيرة القادة الشهداء ، يندفع اللبنانيون الشرفاء الى مواصلة مسيرة الجهاد والصمود والمقاومة لا الوقوف على الاطلال كما يفعل الصهاينة في كلّ مرة يخسرون فيها ، العقيدة مختلفة ، على قاعدة "اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر" ، كما يقول سيد شهداء المقاومة التي عاهدت ربها وأهلها ووطنها وأمّتها، أن تبقى على درب كفاحها بلا تردد ولا مساومة، حتى النصر الكامل وعودة المقدّسات، ونهاية جولة البغي والظلم.

المصدر: الانتقاد

إعداد : لطيفة الحسيني

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0